"دور قانون العمل في تسيير الموارد البشرية في المؤسسة الاقتصادية الجزائرية."
بقلم الأستاذ محمد صحراوي
انطلاقًا من أن وظيفة تسيير الموارد البشرية، كباقي وظائف المؤسسة الاقتصادية، تقوم على قواعد تقنية وأخرى قانونية، فإن مسيّر الموارد البشرية في المؤسسة الاقتصادية يحتاج إلى التحكم في هذين النوعين من القواعد التسييرية، أي القواعد التقنية والقواعد القانونية.
ففي كل مهمة من مهام وظيفة تسيير الموارد البشرية، سواء كانت مهامًا أساسية أو فرعية كالتوظيف، والتقييم، والتكوين، والتحفيز، فإنه يحتاج إلى قواعد تقنية من جهة، وقواعد قانونية من جهة أخرى.
وللإلمام بهذا الموضوع، لا بد أولاً من ضبط المفهوم المحوري والأساسي وهو مفهوم قانون العمل.
نبدأ من أن مصطلح "القانون" في اللغة العربية متعدد المعاني:
فهناك المعنى العام جدًا، ويقصد به المنظومة القانونية السارية في الدولة،
ثم المعنى الخاص، ويقصد به فرع من فروع القانون، كما هو الحال في القانون المدني، والقانون التجاري، والقانون الجنائي.
وأخيرًا، المعنى الأخص لمصطلح القانون، بمعنى la loi، أي النص القانوني التشريعي.
ما يعنينا في هذا الموضوع هو المعنى الخاص، أي مجموع الأحكام القانونية التي تنظم العلاقات الفردية والجماعية بين أصحاب العمل والعمال الأجراء.
ولفهم هذا القانون ثم ممارسته، يجب أولاً الإحاطة بجميع مصادره، وهي متعددة ومتنوعة، ولا تقتصر على نص دون غيره. ثم يجب ترتيب هذه المصادر القانونية المتعلقة بقانون العمل ترتيبًا هرميًا تنازليًا حسب قوتها الإلزامية، أو ما يسمى بالتدرج الهرمي للقواعد القانونية، كما أشار إلى ذلك الفقيه النمساوي الكبير هانس كلسن.
فأعلى قمة في هذا الهرم هو الدستور، الذي يُعد أعلى نص قانوني في الدولة. وبالرجوع إلى الدستور الجزائري الساري المفعول، وهو دستور نوفمبر 2020، نجده يتضمن في بعض مواده أحكامًا تتعلق بمجال العمل:
المادة 66: تنص على العديد من حقوق العمال.
المادة 69: تنص على الحق النقابي.
المادة 70: تنص على الحق في الإضراب.
ثم يأتي بعد ذلك في المرتبة الثانية ما يعرف بـ المصادر الاتفاقية الدولية، والتي تشمل الاتفاقيات الدولية الصادرة عن المنظمة الدولية للعمل، والمنظمة العربية للعمل.
منذ 1919 إلى 2023، أصدرت المنظمة الدولية للعمل 191 اتفاقية، و5 بروتوكولات، و208 توصيات.
أما المنظمة العربية للعمل، فمنذ تأسيسها في 1965 إلى 2024، أصدرت 21 اتفاقية عربية و20 توصية.
المرتبة الثالثة تشمل النصوص التشريعية الوطنية، الصادرة عن البرلمان الجزائري، ومنها:
القانون 90/11 المتعلق بعلاقات العمل.
القانون 90/04 المتعلق بنزاعات العمل الفردية.
القانون 90/03 المتعلق بتفتيش العمل.
القانون 23/02 المتعلق بالحق النقابي.
القانون 23/08 المتعلق بنزاعات العمل الجماعية.
القانون 88/07 المتعلق بالصحة والسلامة في العمل.
وغير ذلك من القوانين ذات الصلة.
بعدها تأتي النصوص القانونية التنظيمية، مثل:
المراسيم الرئاسية والتنفيذية.
القرارات الوزارية المشتركة.
القرارات الوزارية ذات العلاقة بمجال العمل.
ثم نجد في مرتبة أدنى المصادر الداخلية، مثل:
الاتفاقيات الجماعية.
النظام الداخلي للمؤسسة.
وأخيرًا، عقود العمل الفردية التي تتضمن أحكامًا قانونية تتعلق بالعلاقات بين أصحاب العمل والعمال.
وبعد جمع هذه النصوص القانونية ذات الصلة وترتيبها، تأتي المرحلة الأخيرة، وهي استخراج الأحكام القانونية من هذه النصوص.
وهنا، لا بد من التمييز بين:
النص القانوني (l’énoncé juridique)
والحكم القانوني (la disposition juridique)
ويستعين مسيّر الموارد البشرية في عملية استخراج الأحكام القانونية من النصوص القانونية بـ مصدرين رئيسيين:
الفقه (la doctrine): ويشمل آراء الأساتذة المتخصصين في شروحاتهم وتحليلاتهم للنصوص القانونية والأحكام القضائية، مما يساعد على الفهم الدقيق للقانون.
الاجتهاد القضائي (la jurisprudence): وهو مجموعة القرارات المبدئية الصادرة عن المحكمة العليا – الغرفة الاجتماعية، والتي تهدف إلى توحيد الاجتهاد وتفسير النصوص القانونية.
وبذلك يكون مسيّر الموارد البشرية مؤهلاً علميًا للإحاطة بقانون العمل كمصادر وكأحكام، وقادرًا على تطبيقها عمليًا في تسييره لعمال المؤسسة.