التفاوض الجماعي في قانون العمل الجزائري
الإطار القانوني، الأطراف، والتطبيقات العملية
مقدمة
يعد التفاوض الجماعي من أهم الآليات التي تنظم العلاقات الجماعية في العمل، وهو حق أساسي كفلته الاتفاقيات الدولية والتشريعات الوطنية. في هذا المقال، نستعرض الإطار القانوني للتفاوض الجماعي في الجزائر، خصائصه، أطرافه، ومجالات تطبيقه.
أولا: تعريف التفاوض الجماعي
التفاوض الجماعي هو لقاء جماعي بين طرفين أساسيين — أصحاب العمل وممثلي العمال بهدف التشاور والتفاوض في مجال العلاقات الجماعية للعمل.
تتميز علاقات العمل ببعدين:
البعد الفردي: العلاقة بين العامل الأجير وصاحب العمل، وينظمها التفاوض الفردي
البعد الجماعي: العلاقة بين مجموع العمال وصاحب العمل، وهي موضوع التفاوض الجماعي
ثانيا: خصائص التفاوض الجماعي
يتميز التفاوض الجماعي بخمس خصائص أساسية:
1. آلية جماعية
خلافا للتفاوض الفردي الذي يجري بين شخصين، يتم التفاوض الجماعي بين صاحب العمل (أو مجموعة أصحاب عمل) وممثلي العمال.
2. آلية مباشرة
لا يتدخل فيها طرف ثالث، على عكس آليات أخرى كالمصالحة والوساطة والتحكيم.
3. آلية اختيارية
ليست إجبارية في الأصل، خلافا للمصالحة والوساطة المفروضتين قانونا.
4. آلية سلمية
آلية وسطية بعيدة عن الحدية، تختلف عن الإضراب (من جانب العمال) أو إغلاق المؤسسة (من جانب صاحب العمل).
5. آلية داخلية
تتم داخل المؤسسة بين طرفيها المباشرين، دون اللجوء إلى جهات خارجية.
ثالثا: الأسس القانونية للتفاوض الجماعي
الأسس الدولية
اتفاقيات منظمة العمل الدولية
الاتفاقية رقم 98 (1949): صادقت عليها الجزائر سنة 1962
الاتفاقية رقم 154 (1981): المتعلقة بتعزيز التفاوض الجماعي
تؤكد هاتان الاتفاقيتان على:
حق طرفي العلاقة في التفاوض
إلزامية التفاوض في الحياة المهنية
تجريم منع أو إعاقة التفاوض
اتفاقيات منظمة العمل العربية
الاتفاقية رقم 11 التي تتطابق في مضمونها مع الاتفاقيات الدولية.
ملاحظة قانونية: وفقا للدستور الجزائري، الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من طرف رئيس الجمهورية تعلو القانون وتأتي في المرتبة الثانية بعد الدستور في التسلسل الهرمي للقواعد القانونية.
الأسس الوطنية
نص القانون 90-11 المتعلق بعلاقات العمل في المادة 5 على أن التفاوض الجماعي من الحقوق الأساسية للعمال.
ملاحظة نقدية: من نقائص القانون 90-11 أنه:
اقتصر على اعتبار التفاوض الجماعي حقا للعمال فقط، دون النص على أنه حق لأصحاب العمل أيضا
لم يخصص أحكاما قانونية مفصلة تنظم التفاوض الجماعي، خلافا لقوانين العمل في الدول المتقدمة
رابعا: أطراف التفاوض الجماعي
على مستوى المؤسسة
صاحب العمل
ممثلو العمال: المندوبون النقابيون في الأصل، أو الممثلون المنتخبون مباشرة في حالة غيابهم
على المستويات الأعلى
ممثلو أصحاب العمل
ممثلو العمال على مستوى القطاع أو الشعبة أو الإقليم
تنبيه: يجب التمييز بين:
المندوبين النقابيين: مختصون بالتفاوض الجماعي
مندوبي العمال ولجنة المشاركة: وظيفتهم الرقابة والاستشارة
خامسا: مستويات التفاوض
المستوى الداخلي (الأصل)
التفاوض داخل المؤسسة بين صاحب العمل وعماله.
المستوى الأعلى
على مستوى الشعبة المهنية
على المستوى الإقليمي (بلدي، ولائي، جهوي، وطني)
على المستوى المهني أو القطاعي
سادسا: مجالات التفاوض الجماعي
حدد المشرع الجزائري أربعة مجالات رئيسية:
المجال الأول: التفاوض قبل التسريح لأسباب اقتصادية
وفقا للمرسوم التشريعي 94-09، يجب على صاحب العمل:
عرض المخطط الاجتماعي على المنظمات النقابية التمثيلية
التفاوض على الإجراءات الوقائية (البدء بالمتقاعدين، أصحاب العقود المحددة المدة...)
توثيق كل الاجتماعات في محاضر رسمية
المجال الثاني: الاتفاقيات والاتفاقات الجماعية
نظمتها المواد 123 إلى 125 من قانون العمل:
التفاوض يصبح إلزاميا إذا طلبه أحد الطرفين
يتم عبر لجان متساوية الأعضاء
رفض التفاوض يترتب عليه عقوبات مالية
المجال الثالث: الوقاية من نزاعات العمل وتسويتها
وفقا للقانون 23-08، أصبحت الاجتماعات الدورية إلزامية:
مرة واحدة على الأقل كل ستة أشهر
بمحاضر وسجلات موثقة
غرامات مالية تصل إلى 200,000 دينار جزائري على المخالفين
المجال الرابع: التفاوض المتعلق بالإضراب
يفرض القانون 23-08 التفاوض في ثلاث مراحل:
التفاوض على مدة الإشعار المسبق
التفاوض خلال فترة الإشعار: تنظيم الإضراب، الحد الأدنى من الخدمة، المناصب الحساسة
التفاوض لإنهاء الإضراب
خاتمة
يعد التفاوض الجماعي ركيزة أساسية في منظومة علاقات العمل الجماعية، ويتطلب من أخصائيي الموارد البشرية إلماما دقيقا بإطاره القانوني وآليات تطبيقه. ورغم وجود بعض النقائص في التشريع الجزائري، تبقى الاتفاقيات الدولية المصادق عليها ضمانا لهذا الحق الأساسي.
المراجع القانونية:
القانون 90-11 المتعلق بعلاقات العمل
القانون 23-02 المتعلق بممارسة الحق النقابي
القانون 23-08 المتعلق بنزاعات العمل الجماعية
المرسوم التشريعي 94-09
اتفاقيات منظمة العمل الدولية رقم 98 و154